السيد علي الطباطبائي

242

رياض المسائل ( ط . ق )

إن فصل وصف التأجيل عن الكلام المتقدم ولو بسكوت طويل وكذا لو وصله به على إطلاق العبارة وصريح المحكي عن الشيخ وضى لزيادة دعوى الأجل على أصل الإقرار فلا تسمع كما لو أقر بالمال ثم ادعى قضاءه خلافا للأول في قوله الآخر المحكي في كلام جمع من الأصحاب وللإسكافي والحلبي وتبعهم كثير من المتأخرين لأن الكلام الصادر منه جملة واحدة لا يتم إلا بآخره وإنما يحكم عليه بعد كماله كما لو عقبه باستثناء أو وصف أو شرط وأنه لولا قبول ذلك منه لأدى إلى انسداد باب الإقرار بالحق المؤجل وإذا كان على الإنسان دين مؤجل وأراد التخلص فإن لم يسمع منه لزم الإضرار به وربما كان الأجل طويلا بحيث إذا علم عدم قبوله منه لا يضر بأصل الحق خوفا من إلزامه حالا والإضرار فيؤدي تركه إلى الإضرار بصاحب الحق وهذا غير موافق للحكمة الإلهية وللصحيح كان أمير المؤمنين ع لا يأخذ بأول الكلام دون آخره هذا مضافا إلى التأيد بأصالة عدم إلزام المقر بالمال حالا وعلى الأول يلزم الغريم اليمين لكونه منكرا فيتوجه عليه كما يتوجه البينة على المقر عليه أيضا لكونه مدعيا وإنما يلزمه حالا بعد عجزه عن إقامتها جدا [ اللواحق ثلاثة ] واللواحق ثلاثة [ الأول في الاستثناء ] الأول في بيان أحكام الاستثناء المقبول المتعقب للإقرار ومن شرطه مطلقا عدم استيعابه المستثنى منه والاتصال العادي بينهما والمراد به ما جرت به العادة فيغتفر التنفس بينهما والسعال ونحوهما مما لا يعد معه الاستثناء منفصلا عرفا ولا خلاف في شيء من ذلك بين العلماء إلا من الحلي في الأخير حيث يحكى عنه تجويزه الاستثناء إلى شهر قيل ولم يثبت ذلك عنه وربما حمل كلامه على أن المراد أنه لو أخبر به في تلك المدة قبل منه وهو بعيد لكنه أقرب من حمل كلامه على ظاهره ولا يشترط فيها الاتحاد في الجنس بأن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه بل يصح أن يكون من غير جنسه ويعبر عنه بالمنقطع والحكم ثابت بإجماع النحاة وأهل اللغة كما في التنقيح وهو الأشهر بين الأصوليين والفقهاء واختاره الماتن هنا وتردد فيه في الشرائع ووجهه غير واضح مع ندرة القائل بالاشتراط حتى أن بعض الأصحاب أنكره وقال إنه غير موجود في كتب الأصول بل صرح ضى في شرح المختصر بأنه لا يعرف خلافا في صحته لغة ووروده في كلام العرب والقرآن أقول ومنه قوله سبحانه لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً و لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ و فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ - إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ واختلفوا في كونه حقيقة أو مجازا والمحققون على الثاني لعدم التبادر وهو الأصح فلو قال له ألف إلا درهما فالجميع دراهم على المختار ومبهم على غيره يرجع في تفسيره إليه لأن الاستثناء حقيقة أيضا فيكون الاستثناء مشتركا بينه وبين المنقطع اشتراكا لفظيا كما عن بعض أو معنويا كما عن آخر نقلهما في المسالك قال وفي المسالك له قول ثالث نادر إنه غير جائز لا حقيقة ولا مجازا وهو الذي تردد فيه المصنف وهو كما ترى ظاهر في وجود القول بالاشتراط وأنه ليس الأمر كما ذكره البعض المتقدم من عدم وجوده وأظهر من ذلك كلام الفاضل المقداد في شرح الكتاب حيث قال بعد دعواه الإجماع المتقدم واختلف فيه الأصوليون والفقهاء فشرطه أي الاتحاد في الجنس بعض ومنع اشتراطه آخرون واختاره المصنف انتهى مع أنه حكاه في التذكرة عن جماعة من العامة كزفر وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة لكنه خص المنع بما عدا المكيل والموزون ونقل التفتازاني في شرح الشرح المصير إليه في الجملة عن الآمدي وبالجملة لا ريب في ضعف هذا القول وشذوذه ولا يشترط أيضا نقصان المستثنى عن الباقي من المستثنى منه بل يكفي في صحة الاستثناء أن يبقى بعده بقية قلت أو كثرت وفاقا للمحققين من الأصوليين والأكثر كما في المسالك وشرح الكتاب للسيد قال فيه وذهب شاذ منهم إلى أنه يجب أن يكون الباقي من المستثنى منه أكثر من النصف ويدفعه قوله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ومن هنا بيانية لأن الغاوين كلهم متبعون فاستثنى الغاوين وهم أكثر من غيرهم بدليل قوله عز وجل وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ فإنه يدل على أن الأكثر ليس بمؤمن وكل من ليس بمؤمن غاو ينتج أن الأكثر غاو وفي كل من دعوى شذوذ هذا القول والاستدلال على رده نظر فالأول بأنه مذهب جماعة من المحققين من النحاة والأصوليين بل في التنقيح أنه مذهب أكثر النحاة وجماعة من الأصوليين والثاني بتوقفه على أن المراد من العباد هو الناس فقط وهو في حيز المنع سيما مع إفادة اللفظ العموم اللغوي فيشمل الملائكة وغيرهم من عباد اللَّه تعالى وما بقي من المستثنى منه على هذا التقدير أكثر من المستثنى قطعا ولا ينافيه نفي الإيمان عن أكثر الناس في الآية الأخيرة إذ نفيه عن أكثرهم لا يستلزم النفي عن أكثر العباد هذا مع أن سند هذا القول قوي متين وتمام التحقيق في الأصول والمستفاد من التنقيح أن القول الأول هو الحق عند الفقهاء مؤذنا بدعوى إجماعهم عليه ولعله كذلك إذ لم أقف في هذا الكتاب على مخالف منهم بل ظاهرهم الإطباق على ما في المتن وعليه فلو قال له علي عشرة إلا ستة لزمه أربعة ويلزم المستثنى منه كملا على القول الآخر لبطلان الاستثناء على تقديره وإن هو إلا نحو قول القائل له علي عشرة إلا عشرة وقد اتفقوا فيه على لزوم العشرة كاملة لبطلان الاستثناء بالاستيعاب ولو قال بذل إلا في المثال ينقصه ستة لم يقبل بل يلزم بالعشرة لأنه رجوع عن الإقرار بها فلا يكون مسموعا والفرق بينه وبين الاستثناء وقوع الاتفاق كما في شرح الكتاب للسيد بل الإجماع كما في التنقيح على قبوله لوقوعه في فصيح الكلام بخلاف غيره من الألفاظ المتضمنة للرجوع عن الإقرار كذا قيل والأظهر في بيان وجه الفرق أن الاستثناء مع المستثنى منه يعد جملة واحدة يكون الاستثناء جزء منها لا يمكن فصلها عنها ولا كذلك ينقص في المثال لكونه جملة أخرى منفصلة عما سبقها فيكون كالمنافي لها فلا يسمع نعم لو أبدلها بالوصف فقال عشرة ناقصة ثم فسر الناقص بالستة قبل لكونه كالاستثناء مما لا يتم إلا بسابقة جدا بخلاف بدله لإمكان فصله عنه وتماميته بدونه بخلافهما ولذا لا خلاف على القبول في ناقصة بل عليه الإجماع في شرح الإرشاد للمقدس الأردبيلي ره دون ينقص فلم يقبلوه من غير